السيد نعمة الله الجزائري

72

الأنوار النعمانية

كانت الدنيا ذهبا والآخرة خزفا لأخترت خزف الآخرة على ذهب الدنيا لأنّه خزف باق وذهب الدنيا فان ، فكيف والآخرة ذهب والدنيا خزف فان . ورأيت في كتاب تفسير انّ ملكا من ملوك اليونان استعمل على ملبسه جارية أدبها بعض الحكماء فألبسته يوما ثيابه وأرته المرآة فرأى في لحيته شعرة بيضاء ، فاستدعى بالمقراض فقصها ، فأخذتها الأمة فقبلتها ووضعتها عال ( قال ) واصغت اذنها إليها فقال الملك لأي شيء تصغين إليها ؟ فقالت اني اسمع هذه المبتلاة تفقد كرامة قرب الملك تقول قولا عجبا ، قال وما هو ؟ قالت ما يجتري لساني على النطق به ، قال قولي امنته ما لزمت الحكمة ، فقالت إنها تقول أيها الملك المسلّط إلى امد قريب انّي خفت بطشك بي فلم اظهر حتى عهدت إلى بناتي ان يأخذن بثاري ، وكأنّك بهن قد خرجن عليك فأما ان يعجلن الفتك بك وامّا ان ينقصن شهوتك وقوتك وصحتك ، حتى تجد الموت ، فقال اكتبي كلامك فكتبته فبقي يتدبر فنبذ ملكه وخرج سائحا قال الشاعر : يا ويح من فقد الشباب وغيّرت * منه مفارق رأسه بخضاب يرجو عمارة وجهه بخضابه * ومصير كل عمارة لخراب انّي وجدت أجلّ كلّ رزية * فقد الشّباب وفرقة الأحباب ومن أسباب الدنيا والميل إليها النساء واطاعتهن ، روي أن رجلا من بني إسرائيل رأى في المنام انّه خيّر ثلاث دعوات مستجابات بأن يصرفها حيث يشاء ، فشاور امرأته في محلّ الصرف فرأت ان يصرف واحدة منها في حسنها وجمالها ليزيد حسن المعاشرة بينهما ، فصرفها في ذلك فصارت جميلة فيما بين بني إسرائيل فاشتهر امرها إلى أن غصبها ملك ظالم ، فدعى الرجل غيرة بأن يصيّرها اللّه تعالى على صورة كلب فصارت كلبا أسود وجاءت إلى زوجها وتضرعت اليه مدة حتى رق قلبه ودعى بأن يصيرها اللّه تعالى على صورتها الأولى ، فصارت الدعوات الثلاث فيها ، وهي كما كانت بشؤم المشاورة معها . وحكي انّ خسروا لملك أتى اليه رجل بسمكة كبيرة فأمر له بأربعة آلاف درهم ، فقالت شيرين فكيف تصنع إذا احتقر من أعطيته شيئا من حشمك وقال أعطاني ما أعطى الصيّاد أو أقل ، فقال خسرو الملك انّى الرجوع عن الهبة قبيح خصوصا من الملوك ، فقالت شيرين التدبير ان تدعوه ، وتقول له هذه السّمكة ذكر أم أنثى فان قال ذكر أم أنثى فان قال ذكر فنقول انما أردت أنثى ، وان قال أنثى فتقول له انما أردت ذكرا ، فاستدعاه فسأله عن ذلك ، فقال أيها الملك انّها خنثى لا ذكر ولا أنثى فاستحسن جوابه وأمر له بأربعة آلاف درهم أخرى ، فلمّا تسلم الصّياد ثمانية آلاف درهم من الخزان ورجع سقط منها في الطريق درهم فاشتغل بأخذه ، فقالت شيرين للملك